محمد باقر الملكي الميانجي
74
مناهج البيان في تفسير القرآن
ثمّ أقسم تعالى بما يراه الناس وبما لا يرون . قد ذكرنا فيما تقدّم في تفسير قوله تعالى : « ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ » وأشرنا إلى عدّة من الروايات الدالّة على أنّ للّه تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه ، وليس لخلقه أن يقسموا إلّا باللّه . وذكرنا ثمّة وجه ذلك . وقوله تعالى : « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) » . جواب للقسم . وفي الإتيان ب « إنّ » المؤكّدة ولام التأكيد عناية بالغة لتثبيت موقع القرآن الكريم وأنّه قول جبرئيل الأمين المكين عند اللّه والمقرّب لديه - سبحانه . والرسول صفة مشبّهة ؛ أي : من كان واجدا للّرسالة وحاملا إيّاها ، سواء كان من رسل أهل الأرض أو من رسل أهل السّماء ، فيحمل رسل السّماء هذه الرسالة الإلهيّة إلى من شاء اللّه من خلقه وأراد . قال تعالى : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ » . ( الشّورى / 51 ) قيل : إنّ المراد من قول الرسول في قوله تعالى « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ » هو قول رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله . ( تفسير الرازي 30 / 116 ) ولا بأس به ؛ إلّا أنّ هذا القول الّذي نسب إلى رسول اللّه عين ما يتلقّاه من قول جبرئيل الأمين . وكيف كان ، فالآية الكريمة نظيرة قوله تعالى : « فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ . الْجَوارِ الْكُنَّسِ . وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ . إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ . وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ . وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ . وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ . وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ » . ( التكوير / 15 - 25 ) قوله تعالى : « وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ( 41 ) » . وممّن قال ذلك القول : « وما هو بقول شاعر » هو وليد بن مغيرة المخزوميّ حين قام بمبارزة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله . والقصّة كما أوردها في البرهان 4 / 401 ، في المدّثّر ، عن عليّ بن إبراهيم : أنّه اجتمعت قريش